الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
75
مناهل العرفان في علوم القرآن
سواء أكانت السنة قولية أم فعلية أم وصفية أم تقريرية ، وسواء منها ما كان نبويا وما كان قدسيا ، لأنها كلها وحى بالفعل أو بالقوة ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أقامه اللّه في محراب الإمامة لخلقه ، وجعله الأسوة الحسنة لعباده ، وأمر الجميع باتباعه ، فهو إذن لا يمكن أن يصدر فيما يشرع لأمته ابتداء أو نسخا ، إلا عن إيحاء اللّه إليه تصريحا أو تقريرا . مثال نسخ الكتاب بالكتاب قوله سبحانه : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ فإنها نسخت بقوله سبحانه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ، وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ ، وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ، وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها ، خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . ومثال نسخ السنة بالسنة ، نسخ الوضوء مما مست النار بأكله صلّى اللّه عليه وسلّم من الشاة ولم يتوضأ . ( رابعتها ) أن الإضافة في كلمة « رفع الحكم الشرعي » الواردة في تعريف النسخ ، من قبيل إضافة المصدر لمفعوله ، والفاعل مضمر وهو اللّه تعالى . وذلك يرشد إلى أن الناسخ في الحقيقة هو اللّه ، كما يدل عليه قوله سبحانه : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ويرشد أيضا إلى أن المنسوخ في الحقيقة هو الحكم المرتفع . وقد يطلق الناسخ على الحكم الرافع فيقال : وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء . وقد يطلق النسخ على دليله كذلك ، فيقال : آية المواريث نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين . ويقال : خبر أكل الرسول من الشاة ولم يتوضأ ، ناسخ لخبر وضوئه صلّى اللّه عليه وسلّم مما مست النار . وهلم . والخطب في ذلك جد يسير .